نبضات ساخنة - للكاتب المحرر وليد الهودلي تخيل طفلك في زنزانة

2018-02-06 11:02:30


قلنا انه لا يوجد في ماكينة العذاب التي تسمى سجون عندهم اي اعتبار لكون المعتقل طفلا وزد على ذلك او امرأة أو مريضا أو مسنا . الناس في العذاب سواء ، لذلك ما يقال عن عذابات السجون يندرج على الاطفال تماما . هو في نظرهم مخرب يستحق العذاب ولا بد من ردعه وقهره بكل ما لديهم من صنوف هذا العذاب .. نذهب بذلك الى اليافعين والفتيان والفتيات فهل يصل ذلك الى من ولدوا في السجون وكانت اعمارهم أشهرا وأيام ؟
قبل ذلك لم انس خاتمة المقال السابق حيث تساءلت عن مطلب طفل التقيته في زنزانة مجاورة ودارت بيننا أحاديث طويلة كان الذي يريده ان يسمع صوتا يبدد وحشة عتمة الزنزانة .. وجد أنيسا من الانس بعد ان حشرته الشياطين في واد سحيق لا يسمعه أحد ولا يسمع أحدا ، أما وقد وجد أحدا من عالم الانسان فقد عادت له روحه وعاد قلبه للانتظام ولو شيئا قليلا وسط زحام الهواجس وخيال ذهب به بعيدا في عوالم سوداء لا بصيص من نور تتعلق به روحه المعذبة .
قصة اليوم مع من عاشوا السجن طفولتهم الاولى .. بواكير حياتهم كانت خلف جدرانهم السوداء ..واذا سألنا لماذا كل هذا العذاب والحرمان ؟ ليتبادر في الاذهان أن أما قاومت الاحتلال او شاغبت وعكرت عليه الماء الذي يشرب منه دون ان تراعي جنينا في رحمها ؟! ولكن ماذا لو وقفنا على قصة امرأة بعد عذابات طويلة هي وطفلتها على مدار ستة وثلاثين شهرا في السجن وقد حكمت محكمتهم ببراءتها من التهم المنسوبة اليها ؟ هذه نهاية القصة أما من البداية فحدث عن عجب العجاب .. وقد كانت هذه القصة من القصص الواقعية التي اعتمدت عليها كرافعة لمعنويات ذاك الطفل الذي كان جاري في الزنزانة .
هكذا في ليلة من ليالي الاحتلال الحالكة انقضوا على بيتنا وفي عملية قيصرية نزعوا من البيت أهم أركانه ، اصبح بلا أم وزوجة تماما كالروح بلا جسد وكالنبات بلا هواء وماء .. الام في زنازينهم تتلظى اقسى انواع العذاب اذ لم يعد بمقدورها ضم طفلتها الى صدرها الا ما استحضرته في خيالها بمشاعر واحاسيس فتنطلق لاهثة دون أن تجد ضالتها .. والطفلة تجوب اركان البيت زاحفة دون ان تأوي الى حضن دافىء اعتادت عليه طيلة خمسة عشر شهرا فلا تجد سوى برودة قاسية لا حياة فيها .. تبكي ولا أحد يعرف سر بكائها .. يفيضون عليها من حنانهم ولكنها لا تجد ذاك الحنان المفقود ..
تفتح أمها اضرابا عن الطعام قرابة عشرين يوما لتحقق لملمة مشاعرها وجمعها مع مشاعر طفلتها .. ذهبت الى أمر أخف قليلا في مرارته من مرارة هذا الذي لا يطاق .. هل توافق أما على ادخال طفلتها السجن .. هل ترضى بأن تصبح طفلتها سجينة ؟ وهي تعرف حق المعرفة كم ستعاني هذه الطفلة .. اننا أمام لغة لا نفقهها .. لغة الام ومشاعرها ..
وتلتقي الطفلة عائشة ابنة المعتقلة عطاف عليان مع المعتقلات، منهن أمهات متعطشات لطفولة ابنائهن الهاربة منهن .. تلتقي عائشة مع نور ابن الاسيرة فاطمة الزق الذي ولد في السجن .. يا لها من حياة تناقضت وتضاربت فيها المشاعر بين الالم المر وفرح الطفولة البريئة .. كيف تصنع المحرومات المعذبات سعادة لطفولة تحدها جدران الزنازين وأشواك سقف الفورة العارية من اي معنى من معاني الحياة .. كيف يجدن سعادة تحدها زوايا الابراش القاسية ونعيق سجانات فاجرة وهدير بوسطات ومحاكم لا تعرف الا لغة القهر والبطش وقتل كل ما في الحياة من حياة .. كيف ترسم اما لطفلتها ابتسامة وهي غارقة في بحر من الالام ؟!
وتسير هذه الايام المفترض ان تكون ايام طفولة جميلة كل يوم له معنى جديد يرقبه والدا الطفل ، تسير على الشوك ويلد كل يوم يوما جديدا بشق الانفس .. بين الفورة والزنزانة والبرش والبوسطة والمحكمة تتولد لغة طفولة لا مكان لها في قواميس البشر،تتنافس المعتقلات في ابتكار ادوات السعادة لهذه الطفولة الجميلة وسط اشلاكهم الشائكة ، يحاولن التعويض عما فاتها ، اسيرة تقلد اصوات القطط واسيرة تخيط ارنبا وتلك تغني لحنا يحبه الاطفال واسيرة تتعاون مع ثانية في تمثيل ارجوحة يمرجحن فيها عائشة ، ويأتي يوم يقرر فيه الاحتلال قطع هذه السعادة ، الافراج عن الطفلة دون امها قسرا .. ويحدث مرة أخرى هذا الانفصال النكد .. " عليك ان تأتي لاستلام ابنتك " .. وتنطلق ابنة السنتين فارة من السجن وويلاته .. لا تنظر للخلف : لسان حال فطرتها البريئة يقول : امي ام الحرية اختار الحرية على أمي .. يا الهي الهذه الدرجة تعني الحرية .. الهذه الدرجة يعني حرمان شعب كامل من حريته واغراقه في ظلام الاحتلال على مرأى ومسمع العالم أجمع الذي يدعي زورا وبهتانا انه العالم الحر ؟؟
هذا فيض يسير من غيض دونته في رواية أمهات في مدافن الاحياء .. من اراد التفاصيل يجدها هناك ..



Create Account



Log In Your Account