النكبة والنكسة تبادل مواقع! - بقلم: حسن البطل

2018-06-06 08:45:49


وفي اليوم السابع من «حرب الأيام الستة»، سرينا ليلاً على الأقدام من دمشق إلى عين الفيجة، على بعد 20 كم، وكانت هذه أطول مسيرة على الأقدام من ثلاث في حياتي!
أما في اليوم السادس من «حرب النكسة» فقد سهرنا من التوتر حتى مطلع فجر اليوم السابع ونحن نلعب الورق. هكذا، كانت أطول مسيرة على الأقدام تالي يوم بعد نوم لا يتعدى الساعتين.
غطسنا في ماء النبع البارد، وربما درجة حرارته تعادل حرارة الماء في براد البيوت. ما كدنا نقوى، من تعب المسير ومن قلة النوم، على العودة مشياً إلى دمشق في ساعات الأصيل، فعدنا إليها ركاباً في باص!
لاحقاً، في وقت آخر من حزيران العام 1967، ذهبنا إلى الزبداني في رحلة قطار، وخلالها، حلا لأحد الزملاء أن ينشد النكتة الذائعة في سورية بعد النكسة، وهاكم هي: «خازوق دُقَّ ولن يُقلع/ من شرم الشيخ إلى سعسع».
 
في حرب تشرين الأول/ أكتوبر من العام 1973 كنت محرّراً في إذاعة فلسطين من بغداد، التي تبث مدة ساعة واحدة يومياً، فشعرت بالخجل من وكالة الصحافة الفرنسية (أ. ف. ب) التي نقلت عن عسكريين فرنسيين: «أين هي سعسع؟ لا توجد على الخرائط».. ولكنها توجد وراء ما احتلته إسرائيل من الجولان، وما بلغه الجيش الإسرائيلي من تقدّم في اتجاه دمشق في آخر حرب «إزالة آثار العدوان»، وربما اختلط الأمر على اللغة الفرنسية التي لا يوجد فيها حرف «العين».. سعسع أو SASA!
كانت صدمة الهزيمة في سورية، بعد «النكسة» في قوة زلزال من سبع درجات على مقياس «ريختر» وربما كانت بدرجة أقل أو أكثر في مصر والضفة الغربية!
شهور مرّت بعد حزيران العام 1967، وكنّا شلّة من الأصدقاء نسهر في حانة «لوازيس» بدمشق، عندما انفجر صديقي عدنان ببكاء مرّ. لماذا؟ فقد أعصابه لأن زبوناً في الحانة كرر وضع أغنية «الصبر جميل»، فقام صديقي محنقاً وغاضباً، بإغلاق صندوق أسطوانات الأغاني. فلماذا انفجر بالبكاء؟
سألته صاحبة الحانة مغضبة: «أنت وين عايش؟». فقال: «أنا في الشام.. في الشام!»، ثم انهار بالبكاء.. حملناه وانسحبنا!
 
اختلف قادة مصر وسورية، في حرب العام 1973 على أهدافها. المصريون قالوا: نستطيع الوصول إلى الممرات في سيناء. السوريون قالوا: نستطيع تحرير الجولان بضربة مدرعات.
كادت مدرعات الجيش السوري تصل بحيرة طبريا، لربط تلال الجولان مثل: تل الغرس وتل أبو الندى.. إلخ، التي سيطر عليها مقاتلو جيش التحرير الفلسطيني بعملية إنزال «مجوقلة» بطائرات سمتيه، فأبيد نصفهم.. ثم ردت قوات الجنرال الإسرائيلي رفائيل إيتان، بهجوم مضاد دمر وأعطب 800 دبابة سورية.. ووصل إلى «سعسع».
في حرب النكسة، كان حافظ الأسد وزيراً للدفاع، وقائداً لسلاح الجو السوري، وفي بلاغات عسكرية موقعة باسمه.. تساقطت الطائرات الإسرائيلية بالعشرات.. في آخر حرب «النكسة» تلك كانت القوات الإسرائيلية سيطرت على جبل الشيخ (حرمون) ومرصدها، ووصلت سعسع، وبعد «حرب استنزاف» قصيرة شنتها سورية، تمكن هنري كيسنجر من التوصل إلى «فصل قوات» على الجبهة المصرية، وآخر على الجبهة السورية.. واستعادت سورية نصف عاصمة الجولان، مدينة القنيطرة المدمّرة بالمتفجرات الإسرائيلية!
الآن، في حزيران العام 2018 تطالب إسرائيل من الولايات المتحدة أن تعترف بالجولان أرضاً إسرائيلية، كما اعترفت بالقدس عاصمة لإسرائيل!
لو قبلت سورية، في مفاوضات شيبردز تاون مع أيهود باراك شروط معاهدة سلام مع إسرائيل، وفق معاهدة كامب ديفيد المصرية ـ الإسرائيلية، لعادت سورية إلى أطراف بحيرة طبريا القديمة، ولكن أطرافها الجديدة تراجعت مئات الأمتار، لكنه قال: هذه مهمة جيل سوري آخر.. ما لبث أن تدمر وبلاده بعد العام 2011!
في بداية النكبة، أطلقوا عليها اسم «الكارثة» وكذا «اغتصاب فلسطين»، وربما استعاروا من نكبة البرامكة القديمة وصفاً للنكبة الفلسطينية.
النكبة الفلسطينية بلورت شعباً، وحركة مقاومة مسلحة فلسطينية كانت ذروتها في حزيران العام 1982، التي كانت حرباً فلسطينية ـ إسرائيلية دامت 82 يوماً، أي أطول من كل الحروب النظامية العربية.
يقولون عن النكبة العربية الحالية: إنها بدأت بالنكسة. بدأت النكبة العربية باحتلال العراق وسقوط بغداد، ثم تفاقمت مع «الربيع العربي»، بخراب ودمار وتهجير أوسع نطاقاً وويلات ممّا جرى بعد نكبة فلسطين.
النكبة الفلسطينية شرّدت 800 ألف معظمهم إلى دول الجوار الفلسطيني، لكن حروب ما بعد «الربيع العربي» شردت ملايين العراقيين والسوريين واليمنيين والليبيين إلى خارج بلادهم.
منذ ما قبل النكبة وبعدها، ومنذ ما قبل النكسة وما بعدها يخوض الفلسطينيون صراعهم مع إسرائيل. هل يجوز القول: إن النكبة كانت نكسة فلسطينية تلتها قيامة الشعب الفلسطيني، وأن النكسة العربية في حزيران 1967 قادت إلى نكبة عربية بعد «الربيع العربي»؟
 
 نقلا عن صحيفة الايام ..



Create Account



Log In Your Account