القرآن يصف السخرية من الآخرين بالفسوق >> الاحترام المتبادل بين الناس قيمة إسلامية

2018-06-11 09:47:21


يرسي القرآن الكريم القيم والأخلاق الفاضلة بين الناس ويقيم العلاقة بينهم على الاحترام المتبادل فلا استهزاء ولا سخرية . . بل احترام متبادل وتقدير للمشاعر وحرص على الكرامة الإنسانية التي حبا الله سبحانه وتعالى بها كل إنسان لا فرق بين رئيس ومرؤوس ولا بين غني وفقير ولا بين وزير وخفير، الكل له احترامه وتقديره .
 
ومن النصوص القرآنية التي أرست قيم وأخلاقيات الاحترام المتبادل بين الناس ونهت عن السخرية من الناس قول الحق سبحانه وتعالى: يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون .
 
يقول المفسرون إن الآية السابقة نزلت في قوم من بني تميم سخروا من بلال وسلمان وعامر وخباب رضي الله عنهم لما رأوا من رثاثة حالهم وقلة ذات يدهم . . ولكن التحذير الذي تحمله موجه إلى كل مسلم يطمع في رضا الله وعفوه وتجنب عقابه، ذلك أن السخرية من الناس خلق سيئ يجلب لصاحبه غضب الله بعد غضب الناس وسخطهم .
 
وقد عرف العلماء السخرية بأنها: احتقار الشخص لغيره بالقول أو بالفعل . . يقال سخر فلان من فلان إذا استهزأ به وجعله مثار الضحك ومنه قول الحق سبحانه عن نبي الله نوح عليه السلام في قومه: . . قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون .
 
سلوكيات سيئة
 
يخاطبنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة ويقول: يا من آمنتم بالله حق الإيمان لا يحتقر بعضكم بعضاً ولا يستهزئ بعضكم من بعض، فعسى أن يكون المسخور منه خيراً عند الله تعالى من الساخر، إذ أقدار الناس عند خالقهم ليست على حسب المظاهر والأحساب، وإنما هي على حسب قوة الإيمان وحسن العمل .
 
ونكر سبحانه وتعالى لفظ قوم ونساء للإشعار بأن هذا النهي موجه إلى جميع الرجال والنساء، إذ السخرية منهي عنها بالنسبة للجميع . . وقد جاء النهي عن السخرية موجهاً إلى جماعة الرجال والنساء جرياً على ما كان جارياً في الغالب من أن السخرية كانت تقع في المجالس والمحافل وكان الكثيرون يشتركون فيها على سبيل التلهي والتلذذ .
 
كما نهى الحق سبحانه وتعالى عن رذيلة إلصاق العيوب بالآخرين من أجل السخرية بهم فقال: ولا تلمزوا أنفسكم أي ولا يعب بعضكم بعضاً بقول أو إشارة سواء أكان على وجه يضحك أم لا، وسواء كان بحضرة الملموز أم لا، فهو أعم من السخرية التي هي احتقار الغير بحضرته .
 
ويرى بعض العلماء أن اللمز سخرية ولكن على وجه الخفية . . وبذلك يكون المعنى: ولا يعب بعضكم بعضاً بأي وجه من وجوه العيب سواء أكان ذلك في حضور الشخص أم في غير حضوره .
 
وقال سبحانه: ولا تلمزوا أنفسكم مع أن اللامز يلمز غيره وذلك للإشارة إلى أن من عاب أخاه المسلم فكأنما عاب نفسه، كما قال تعالى: فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة .
 
ونهى القرآن الكريم أيضاً عن خلق آخر سيئ وهو التنابز بالألقاب فقال سبحانه ولا تنابزوا بالألقاب أي: ولا يخاطب أحدكم غيره بالألفاظ التي يكرهها بأن يقول له يا أحمق، أو يا أعرج، أو يا منافق . . أو ما يشبه ذلك من الألقاب السيئة التي يكرهها الشخص . فالتنابز كما قال العلماء: هو التعاير والتداعي بالألقاب المكروهة يقال: نبزه إذا نادى شخص شخصاً بلقب يكرهه سواء أكان هذا اللقب للشخص أم لأبيه أم لأمه أم لغيرهما .
 
خروج عن طاعة الله
 
وقوله سبحانه: بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان تعليل للنهي عن هذه الرذائل . . والمراد بالاسم ما سبق ذكره في الآية من السخرية واللمز والتنابز بالألقاب . . والمخصوص بالذم محذوف . . أي: بئس الفعل فعلكم أن تذكروا إخوانكم في العقيدة بما يكرهونه وبما يخرجهم عن صفات المؤمنين الصادقين بعد أن هداهم الله تعالى وهداكم إلى الإيمان . . وعلى هذا فالمراد من الآية نهي المؤمنين عن أن ينسبوا إخوانهم في الدين إلى الفسوق بعد اتصافهم بالإيمان .
 
قال صاحب تفسير الكشاف: الاسم هنا بمعنى الذكْر من قولهم: فلان طار اسمه في الناس بالكرم أو باللؤم . . كما يقال: طار ثناؤه وصيته، كأنه قيل: بئس الذكر المرتفع للمؤمنين . . أن يذكروا بالفسق .
 
ويصح أن يكون المراد من الآية الكريمة كما يقول الدكتور عبدالله شحاتة رحمه الله في تفسيره للقرآن الكريم نهي المؤمنين عن ارتكابهم لهذه الرذائل لأن ارتكابهم لها يؤدي بهم إلى الفسوق والخروج عن طاعة الله تعالى بعد أن اتصفوا بصفة الإيمان .
 
وقال الإمام الفخر الرازي في تفسيره لقوله تعالى بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان هذا من تمام الزجر للمؤمنين عن هذه الخصال السيئة . . فكأنه يقول: يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم، ولا تلمزوا أنفسكم، ولا تنابزوا فإن من يفعل ذلك يفسق بعد إيمانه، والمؤمن يقبح منه أن يأتي بعد إيمانه بفسوق، ويصير التقدير: بئس الفسوق بعد الإيمان .
 
يقول الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر الراحل رحمه الله تعقيباً على ما ذكره الفخر الرازي حول معنى هذه الآية ومقصودها: هذا الرأي أنسب للسياق، إذ المقصود من الآية الكريمة نهي المؤمنين عن السخرية أو اللمز أو التنابز بالألقاب، لأن تعودهم على ذلك يؤدي بهم إلى الفسوق عن طاعة الله والخروج عن آدابه، وبئس الوصف وصفهم بذلك . . أي بالفسق بعد الإيمان .
 
ظالمون لأنفسهم
 
وقوله سبحانه في ختام الآية ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون تحذير إلهي من التمادي في هذه الخصال السيئة من دون الانتباه إلى ضرورة التوبة الصادقة بعد الكف عنها، فكل من يتمادى في السخرية من الناس واللمز بهم وإلصاق العيوب بهم فهو ظالم لنفسه وليس ظالماً لهم فحسب، لأنه وضع العصيان موضع الطاعة، والفسوق في موضع الإيمان .
 
الدكتور علي جمعة مفتي مصر يعقب على هذه الآية قائلاً: ما أحوج المسلمين الآن إلى هداية الحق سبحانه وتعالى في ما ترشدنا إليه هذه الآية خاصة بعد أن انتشرت رذيلة السخرية بين الناس وعمت كل الناس من دون خوف من الله أو تأدب في التعامل بين الناس، وهذا السلوك السيئ الذي حذرت منه هذه الآية هو الذي يفسد العلاقة بين الناس، حيث لم يعد هناك احترام متبادل بين كثير من الناس وكثرت السخرية بينهم وأصبح في كل مجلس أو مكتب أو مكان عمل من هو معروف بهذا الخلق السيئ، والكل يستمع إليه في سفاهة ويضحك على سخريته من خلق الله من دون إدراك لعواقب ذلك .
 
أيضاً التنابز بالألقاب شاع بين الناس في هذه الأيام وأصبح سلوكاً معتاداً تراه في كل مكان تذهب إليه ولذلك تكثر المشاجرات والمنازعات وجرائم العنف بين الناس بسبب هذه الأخلاق السيئة، فكم من جرائم قتل وقعت بسبب سخرية أو تنابز بالألقاب، وكم من مشاجرات نشبت بين عائلات بسبب إشارة فيها سخرية أو كلمة فيها لمز بأحد الناس رجلاً كان أو امرأة .
 
ومن هنا يجب على المسلمين، كما يقول مفتي مصر، أن يتأدبوا بأدب الإسلام وأن يقولوا سمعاً وطاعة للخالق الذي أمرهم بعدم السخرية والبعد عن اللمز والتنابز بالألقاب، فالقرآن يرسي دعائم المجتمع المثالي الذي يقوم على احترام كل إنسان للآخر .



Create Account



Log In Your Account