تحجيم النفوذ التركي في القدس.. مهمة تل أبيب العاجلة بعد فوز أردوغان

2018-07-11 10:21:54


بقلم : ميرفت ابوعوف | يبتسم شيخ كبير من أهل القدس للمارين عليه، مجموعة من السياح الأتراك ابتهجت وجوههم وهم يتجولون في الأزقة الضيقة بمساحتها، الواسعة بترحيب سكانها، يُلقي الشيخ التحية باللغة التركية، وكذلك تتبسم لهم طفلة صغيرة حملت مصحفًا، وركضت نحو حلقة التحفيظ خاصتها في ساحة الحرم القدسي.
وفيما كانت البهجة بوصول هؤلاء إلى المدينة المقدسة تشمل دولة الاحتلال الإسرائيلي التي رأت في مرورهم بـ«تأشيرة إسرائيلية» تطبيعًا معها، تحول الأمر لكابوس وضعت مؤخرًا خطة للتخلص منه، إذ ترى دولة الاحتلال في إطعام الأيتام وكسوة الفقير وترميم المنازل من جهة جمعيات خيرية تركية نفوذًا تركيًّا يفسد إجراءاتها المتعددة لتهويد المدينة، بل إنها تذهب إلى الحديث عن دول عربية أخرى كالأردن والسعودية يزعجها نفوذ تركيا ورئيسها الناجح في الانتخابات التركية مرة أخرى، رجب طيب أردوغان.
كيف تنظر إسرائيل إلى الوجود التركي في القدس؟
«يؤججون النفوس في جبل الهيكل (الأقصى)، هنا نرى انقلابًا لجماعة الإخوان المسلمين بقيادة أردوغان بهدف تحقيق الأسلمة التركية»، هذا ما قاله عضو لجنة الشؤون الخارجية والأمن بالكنيست التابع لدولة الاحتلال، عنات باركو، واصفًا الأنشطة التركية في القدس بـ«تآمر سياسي».
إذ تنظر دولة الاحتلال الإسرائيلي بحذر إلى جهود الجمعيات التركية التي توزع الطعام على المحتاجين، وتستوعب الأطفال الأيتام، وتوزع الحقائب المدرسية، وتقوم بحملات لجمع التبرعات لسكان القدس، وينظر الاحتلال إلى الحكومة التركية بوصفها معززة للهوية الإسلامية في القدس من خلال قيامها بضخ الملايين في المشاريع الاستثمارية، ومرسخة للهوية الثقافية للمقدسين بدعم القطاع التعليمي، والارتقاء بأوضاعهم الثقافية.
ويصل الأمر بالاحتلال إلى اعتبار المشاريع ذات الصبغة الرياضية، أو الأثرية التي تعنى بترميم مواقع تاريخية عثمانية بالقدس أمورًا خطيرة، إذ اتهم تقرير نشرته صحيفة «ماكور ريشون» الإسرائيلية تركيا بأنها تعمل لجعل «القدس نقطة البداية للتمدد التركي، وشبح الدولة العثمانية في القدس الشرقية يطل برأسه من جديد»، وذلك بإحياء التراث العثماني في القدس، فالاحتلال يقرأ الزيارات المتزايدة للأتراك بأنها تأتي بهدف إرجاع القدس إلى عهد الدولة العثمانية، مدللًا على ذلك بأن الأنشطة التركية تتوسع في المناطق التي توجد فيها آثار عثمانية، مثل: يافا، وعكا، وشرقي القدس.
ويروج الاحتلال إلى أن الجمعيات التركية تختار مراكز مهمة في المنطقة لصبغها بالطراز العثماني المعماري، لإعادة بنائها وترميمها مثل الجامع الكبير في دوار الساعة بمدينة يافا، فقد وصف رئيس منظمة «الذهاب إلى القدس»، ماؤور تسيمح الزيارات التركية بـ«سياحة سياسية»، وقال إنه: «في آخر عام ونصف، عملت الجمعيات التركية الممولة من الحكومة على تخطيط المواقع التاريخية في جميع أنحاء إسرائيل، بهدف بدء الإجراءات القانونية والقضائية لشراء المباني العثمانية مجددًا».
وتظهر دراسة أعدها «المعهد الأورشليمي لشؤون الجمهور والدولة» الإسرائيلي أن: «تركيا تعزز من وجودها في المدينة عبر مشاريع اقتصادية تنفذها المؤسسات التركية، وأن مؤسساتها تقوم بجهود لتثبيت الوجود التركي في القدس، وتقوم بها لصالح المقدسيين، وترسيخ هويتهم الثقافية بدعم القطاع التعليمي، وتطوير ظروفهم الاقتصادية، والارتقاء بأوضاعهم الحياتية والمعيشية، وتوفير وضع صحي وخدمات علاجية متقدمة في القدس»، ووصفت الدراسة الجهود التركية بأنها: «ظاهرة شكلت عنصر قلق لإسرائيل وأطراف أخرى».
وتتحدث مصادر إسرائيلية أيضًا عن وجود تخوفات من أطراف عربية من النفوذ التركي في القدس، فقد ذكرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية أن «الأردن والسعودية والسلطة الفلسطينية طلبوا من إسرائيل الحد من نشاطات تركيا في شرق القدس؛ لأنها تزيد من نفوذها على حساب تلك الدول، مما يجعل منها طرفًا مؤثرًا وذا تأثير كبير في الأحياء الفلسطينية بشرقي المدينة المقدسة».
وأضافت الصحيفة أن «الأردن بدأ يعبر بجدية عن مخاوفه من البصمات التركية المتزايدة في أنشطة القدس، بل إنه عبر عن غضبه من حالة غض الطرف الإسرائيلية عن ذلك، وكأن الأمر لا يعنيها»، أما في ما يتعلق بالسعودية، فقد ذكر تقرير الصحيفة أن «السعودية أيضًا لديها قلق من النفوذ التركي، ويعود مصدر القلق لأنه يعني بالضرورة تزايد نفوذ أردوغان في أنحاء العالم العربي والإسلامي بسبب دفاعه عن القدس، وتواجد الجمعيات الخيرية التابعة له فيها، مما يعني إمساكه بزمام المبادرة ضد إسرائيل، وجهود الإدارة الأمريكية لإيجاد حل لموضوع القدس في الحل النهائي»، ولم يستثن التقرير السلطة الفلسطينية التي ترى في التواجد التركي إضعافًا لها.
رغم تصنفيها بـ«التطبيع».. إسرائيل كارهة زيارات الأتراك
بعد شهر من الاعتقال، ظهرت بالأمس مواطنة تركية يقتادها عناصر من شرطة الاحتلال الإسرائيلي في محكمة سالم العسكرية، وقد كانت -كما الأسرى الفلسطينيين- مقيدة بالأصفاد من قدميها ويديها، وأيضًا مبتسمة أمام الكاميرات
لائحة الاتهام الأخيرة ضد الشابة التركية، إبرو أوزكان، كانت في الثامن من يوليو (تموز)، وتضمنت «مساعدة حركة حماس، وتقديم خدمات متنوعة لها، وتخريب النظام العام للدولة، وإدخالها إلى البلاد نقودًا من جهة معادية»، وأوضح الدفاع الخاص بالفتاة أن اللائحة تضمنت نقل زجاجات عطور من إسطنبول للقدس، ونقل مبلغ مادي لا يتجاوز ـ500 دولار، وتعود تفاصيل اعتقال إبرو البالغة من العمر 27 عامًا إلى يوم 11 يونيو (حزيران) الماضي، إذ اعتقلت من مطار بن غوريون الإسرائيلي خلال عودتها إلى تركيا، وحينها أعلن الاحتلال أنها «اعتقلت للاشتباه في أنها تشكل تهديدًا للأمن القومي، ولها صلات بمنظمات إرهابية، وسلمت إلى قوات الأمن».
يوضح محامي الدفاع عن أوزكان، عمر خميسة أن: «لائحة الاتهام ضد إبرو سياسية، وفي باطنها رسائل سياسية إلى تركيا ومواطنيها، بسبب زياراتهم المتكررة مدينة القدس المحتلة»، وواصل القول: «الهدف من لائحة الاتهام ضد إبرو هو دفع الأتراك إلى عدم زيارة مدينة القدس المحتلة والمسجد الأقصى، نتعجب لتقديم لائحة اتهام ضد المواطنة التركية؛ ففي مثل هذه الحالات مع الأجانب يتم ترحيلهم، لكن هذه المرة تم الإصرار على تقديم لائحة اتهام».
كما برزت حادثة اعتقال أربعة مصلين أتراك أثناء محاولتهم الدخول إلى البلدة القديمة بالقدس في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وذلك بذريعة ارتدائهم «الزي الموحد– الأعلام التركية»، ورغم أن المصلين أعادوا محاولة الدخول بالملابس العادية إلا أن القوات منعتهم مجددًا وضربتهم، وتعمدت استفزازهم دون سبب.
ويظهر لمتتبع إجراءات الاحتلال مع الأتراك الذين يحرصون على زيارة القدس أن هناك هدفًا إسرائيليًّا يتمثل في منع تكثيف عدد السياح الزائرين للقدس والمدن الفلسطينية من الأتراك، فقد «جن جنون» الاحتلال حين حث الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، مسلمي العالم في يوليو الماضي على زيارة القدس وحمايتها ردًّا على اعتداءات الاحتلال ضد الحرم المقدسي، فقال: «من هنا أريد أن أوجه نداء إلى كل مواطنيّ وإلى مسلمي العالم أجمع: فليقم كل من يستطيع بزيارة القدس والمسجد الأقصى في أي فرصة متاحة(…) تعالوا لنحمي القدس معًا».
وردًّا على ذلك، فقد وصف الاحتلال دعوة أردوغان بـ«الأزمة»، وجاء في موقع «المصدر» التابع للاستخبارات الإسرائيلية أنه: «بعد مرور نحو نصف سنة فقط منذ استئناف العلاقات بين إسرائيل وتركيا بعد انقطاع دام ست سنوات، حدثت أزمة أخرى قد تؤثر سلبًا في العلاقات بين البلدين»، ونقل الموقع رسالة وزارة الخارجية الإسرائيلية، التي خاطبت أردوغان بالقول: «مَن ينتهك حقوق الإنسان بشكل منهجي في بلاده، يُحظر عليه أن يعظ أخلاقيًّا بالديمقراطية الحقيقية الوحيدة في المنطقة. تحمي إسرائيل باستمرار حرية العبادة الكاملة لليهود، والمسلمين، والمسيحيين، وستستمر في ذلك رغم محاولات تلطيخ سمعتها التي لا أساس لها من الصحة».
وكانت هيئة الشؤون الدينية التركية، قد أصدرت عام 2015 قرارًا بإدراج المسجد الأقصى ضمن برنامج المعتمرين، يقضي بتنظيم زيارات للمسجد مدة ثلاثة أيام قبل التوجه إلى المدينة المنورة ومكة المكرمة، كما خفضت الخطوط الجوية التركيةأسعار تذاكر السفر إلى القدس، وحسب المصادر الإسرائيلية فقد ارتفع عدد القادمين من تركيا إلى القدس في 2017 بنسبة 19%، وزاد في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) بنسبة 41% مقارنة مع نوفمبر عام 2016، فيما تشير الإحصائيات التركية إلى أن: «أكثر من 15 ألفًا و800 تركي زاروا القدس في عام 2016، وأن العدد ارتفع إلى أكثر من 23 ألفًا في الأشهر العشرة الأولى من عام 2017».
ويعود تدهور العلاقات التركية مع الاحتلال الإسرائيلي إلى عام 2010، في أعقاب حادثة سفينة «مافي مرمرة» التي نجمت عن مداهمة البحرية الإسرائيلية للسفينة التركية التي حاولت فك الحصار الإسرائيلي عن قطاع غزة، فقد أطلق الاحتلال الرصاص الحي على المتضامين فقتل 10 أتراك وأصيب آخرون، وبعد هذه الحادثةـ، صنف الاحتلال مؤسسة الإغاثة الإنسانية التركية، التي نظمت الأسطول رسميًّا منظمة إرهابية، كما تدهورت الأمور في مايو (أيار) الماضي بعد طرد تركيا السفير الإسرائيلي على أراضيها احتجاجًا على جرائم الاحتلال بحق المشاركين في مسيرات العودة عند حدود قطاع غزة، فقد اتهم أردوغان دولة الاحتلال بأنها «دولة إرهاب، ترتكب مجزرة ضد الفلسطينيين».
خطة إسرائيلية لتحجيم النفوذ التركي
تسعى دولة الاحتلال لمنع ما تسميه «التسلل التركي» إلى القدس، فكما قال أحد المسئولين الإسرائيليين إن: «التدخل التركي في القدس الشرقية يجب أن يتوقف. يجب إيقاف واقع الإضرار بالسيادة الإسرائيلية من خلال تدفق الأموال من خلال مختلف الجمعيات التركية على الفور. هذا نشاط يهدف إلى زراعة قلوب سكان شرقي القدس لدعم تركيا التي تقود الحرب ضد تهويد القدس، وتدعو إلى الحفاظ على القدس مدينة إسلامية».
وقد أعلن الاحتلال مؤخرًا عن خطة لعرقلة النشاط التركي في القدس، أولى خطواتها خلق آليات لوقف ضخ المال التركي إلى القدس، يقول الكاتب في صحيفة «إسرائيل اليوم» نداف شرغاي: «لهذا المال هدف مركزي واحد، هو أن تعود تركيا لاكتساب موقع ونفوذ في القدس والمسجد الأقصى، فاليقظة الوطنية والثقافية التركية، التي يشعر بها سكان القدس، مسنودة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي يرى نفسه مجددًا للإمبراطورية العثمانية، أو الأب للخلافة العثمانية، التي ستعود يومًا من الأيام إلى القدس».
وفقًا للمقترحات في الخطة التي سيقوم على تنفيذها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شخصيًّا، سيعمل الاحتلال على زيادة الاستثمارات في شرقي القدس بغية فرض السيادة الإسرائيلية عليها، وذلك على الرغم من اعتياده ابتزاز سكان القدس الشرقية بالأموال التي من المفترض أن تقدم لمؤسساتها، ولذلك حرمت العديد من المؤسسات التعليمية والاجتماعية في القدس من أموال تشغيلية؛ لأنها رفضت الانصياع لإجراءات التهويد.
كما ستبدأ قوات الاحتلال بالتضييق على الجمعيات التركية بتقييد عملها، وإلزامها بإذن مسبق من قوات الاحتلال لأي نشاط ستقوم به، ويحدد الاحتلال أسماء جمعيات تركية بعينها، أبرزها مؤسستا «الوكالة التركية للتعاون والتنسيق» (تيكا)، و«قناديل الدولية للتنمية والإغاثة الإنسانية»، إذ يظهر تقرير أعدته قناة «24» العبرية أن «مجلس الأمن القومي الإسرائيلي يعتزم إصدار تعليمات وإجراءات جديدة لزيادة الرقابة على نشاطات مؤسسة (تيكا) كاشتراطه حصولها على تصريح خاص لكل نشاط تقوم به في القدس».
وكان الاحتلال قد حظر عمل مؤسسة «قناديل» التي تعنى بالتعليم في القدس المحتلة، مبررًا ذلك بأنها «تنظيم غير مسموح به في إسرائيل لاتهامها بتمويل مشاريع حماس في القدس، وتعزيز سيطرتها بين السكان»، ومارست وسائل الإعلام الإسرائيلية ووزير جيش الاحتلال الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، حملة تحريض تدعي أن للجمعية روابط ببعض المنظمات الخارجة عن القانون، لذلك في ديسمبر 2016، حظر الاحتلال الجمعية التي نفذت مئات المشاريع التعليمية والاقتصادية والصحية والاجتماعية في عدة مناطق فلسطينية، على رأسها القدس المحتلة.
وفي إطار محاربة الوجود التركي في فلسطين لم يكتف الاحتلال باعتقال الأتراك، بل اعتقل أيضًا فلسطينيين يعملون مع مؤسسات تركية، منهم المهندس الفلسطيني، محمد مرتجى (40 عامًا)، الذي يعمل مدير فرع غزة في «تيكا»، وحسب مصادر الاحتلال فإن اعتقال مرتجى الذي تم حين حاول السفر من غزة إلى تركيا يعود للاشتباه به أنه «استخدم لتحويل أموال لحركة حماس، وأيضًا لتزويد الجناح العسكري للحركة بمعلومات استخباراتية عسكرية حساسة متعلقة بإسرائيل».
وتذهب لائحة الاتهام الإسرائيلية للقول إن «مهمة مرتجى في الحصول على صور أقمار صناعية في تركيا لمواقع عسكرية حساسة في إسرائيل. هذه الصور كانت معدة لتستخدمها حماس لتحسين دقة الاستهداف في ترسانتها الصاروخية في الحرب المقبلة مع إسرائيل»، كما أنها لم تخل من اتهامه بتحويل أموال المؤسسة التي يعمل بها والمخصصة لمساعدة الفقراء «لشراء الطعام لحماس»، مؤكدة أن مرتجى رشح للعمل مع «تيكا» نيابة عن الجناح العسكري لكتائب عز الدين القسام.
يقول الكاتب المختص في الشأن الإسرائيلي، صلاح الدين العواودة: «ضاقت إسرائيل وحلفاؤها العرب والفلسطينيون ذرعًا بالنشاط التركي في شرقي القدس المحتلة، وتستعد إسرائيل لوضع حد لهذا النشاط»، ويتابع القول في مقاله «إسرائيل تنوي قطع يد تركيا الممتدة إلى أهل القدس»: «إسرائيل تتذمر منذ سنوات من النشاط التركي في القدس، وكانت قد حملت تركيا المسؤولية سابقًا عن صمود المرابطين، ونجاح المقدسيين في إجبار قوات الاحتلال على إزالة البوابات الإلكترونية عن مداخل المسجد الأقصى، واتهمتها بتنظيم زيارات جماعية للمسجد الأقصى في الوقت الذي تشجع فيه العرب على الزيارات التطبيعية»



Create Account



Log In Your Account