ماجد كيالي .. ما الذي تريده «حماس» من أقوال السنوار المتناقضة؟

2018-10-07 08:08:10


ثمة مسألتان أثارتا الانتباه، أكثر من غيرهما، في جملة المسائل التي طرحها يحيى السنوار، قائد حركة حماس في غزة، في إطار مقابلة أجرتها معه صحفيّة إيطالية، مؤخّرا. المسألة الأولى، وتتعلق بقوله: “من يريد حقاً مواجهة قوة نوّوية عظمى بمقاليع”؟ وهو قول لافت للانتباه، ويثير عديد من الاستنتاجات، والتكهنات، لأنه يتناقض مع الخطاب السائد لحركته، أو يختلف معها، إذ لطالما اتسم خطاب “حماس”، على لسان معظم قادتها، للغة التهديد والوعيد لإسرائيل، وادعاء القدرة على “زلزلة” الأرض تحت أقدامها، وادعاء القدرة على استهداف ليس فقط التجمعات الاستيطانية المحاذية للشريط الحدودي مع غزة، وإنما تهديد تل أبيب نفسها، على ما شهدنا طوال الأعوام السابقة. في حين تتمثل المسألة الثانية، بقول السنوار: “التزامي الأول مصلحة شعبي؛ حمايتهم والدفاع عن حقهم في الحرية والاستقلال…هدوء مقابل هدوء وإنهاء للحصار.” ومعنى ذلك أن “حماس” لا تريد الحرب، وهو ما أعلنه السنوار، وأنها تريد الهدنة أو التهدئة، وإنهاء الحصار، لا أكثر من ذلك. أي أنه هنا لم يتحدث لا عن تحرير فلسطين، ولا عن إزاحة الاحتلال من الضفة، ولا عن استمرار المقاومة، وهذا هو معنى رفع الحصار، وجملة: “هدوء مقابل هدوء”. إزاء ذلك فمن حق أي كان أن يسأل: أليس هذا الوضع هو الذي كان سائدا، في قطاع غزة، قبل هيمنة حماس عليه؟ ثم أين ذهبت تبريرات “حماس”، لسيطرتها على القطاع بالقوة (2007) بشأن حماية مشروع المقاومة والاستمرار في مقاومة إسرائيل؟ أو ماذا عن صراعها على القيادة والمكانة مع قيادة منظمة التحرير أو قيادة فتح؟ أين طارت الأجوبة على كل تلك الأسئلة؟
بيد أنه في غمرة هذا النقاش الحامي، والمثير، قد يجدر بنا التذكير بأن يحيى السنوار ذاته، صاحب هذه التصريحات، التي تتسم بالعقلانية، كان أدلى بتصريحات مناقضة لها قبل أسابيع قليلة فقط، (غزة، 29/8). هكذا، فإبان لقائه مع مجموعة من الكتاب والصحافيين، الغزيين، قال السنوار: “الحصار الإسرائيلي على القطاع سيكسر قريباً…سنقلب مرجل الجمر في وجهه (الاحتلال) وستدوي صفارات الإنذار في غوش دان (تل أبيب ومحيطها)، في حال فشلت جهود التهدئة وشن عدواناً جديداً على غزة”. وهدّد بأنه في حال «دفعونا إلى الحرب، فقوتنا أصبحت عشرات أضعاف عام 2014، موجات من الصواريخ، وما ضرب طيلة أيام عدوان 2014، على (تل أبيب) سيضرب في 5 دقائق، وسيتكرّر هذا الأمر مرات ومرات وكلما لزم الأمر”. («فلسطين اليوم»، 30/8)
أيضا، قد يجدر بنا التذكير، في هذا السياق، بأن السنوار كان أدلى، بعيد انتخابه في منصبه المذكور، بتصريحات أكد فيها أن حركته (حماس) «أحدثت حالة توازن كبيرة في الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي» قائمة على «الردع والتكافؤ»، وأنها ماضية حتى استكمال «مشروع تحرير كل فلسطين». معتبراً أن «الأرقام (يقصد الإحصاءات) ليس لها قيمة كبيرة لأن قضية فلسطين تثبت مرة بعد مرة أنها تحظى بعناية ربانية». (فلسطين اليوم، 22/3/2017)
يستنتج من كل ذلك، أولاً، أننا إزاء تصريحات متناقضة لذات الرجل في فترة قصيرة جدا. وثانيا، أن ثمة تصريحات متناقضة لحماس ذاتها، في هذه القضية او تلك. وثالثا، إننا إزاء مشكلة كبيرة، في حقيقة الأمر، سواء مع «حماس»، أو مع العقليات الفصائلية، بمختلف توجهاتها. وطبعا نحن نقصد تلك العقليات التي تعتمد على الإنشاءات العاطفية، وعلى طغيان روح التضحية عند الشعب الفلسطيني، والافتقاد لتقاليد المراجعة كما لاستراتيجية سياسية أو عسكرية، ناهيك عن تقديس العمل المسلح، وعدم إخضاعه للمساءلة والنقد ودراسات الجدوى، وتالياً عدم خضوع الفصائل الفلسطينية لتقاليد المحاسبة.
عموما، ولتفسير ما تقدم، لا أعتقد أن ثمة لحماس خطابين، واحد للشعب الفلسطيني لنيل الشرعية وإثبات الصدقية الوطنية، وأخر للغرب، للترويج ونيل الاعتراف، وتعزيز المكانة، على ما يرى البعض، إذ لم يعد العالم يتقبل ذلك، وهو ليس من السذاجة إلى هذا الحد. لذا فإن التفسير الأرجح، في هذا الأمر، يكمن في أن “حماس”، مثل غيرها من الفصائل، لديها قناعات مبطنة، وخطابات معلنة، وأن خطابي السنوار، يندرجان في هذا الإطار، فالقناعات المبطنة، المبنية على حسابات عقلانية واقعية، تختلف أو تتناقض مع الخطابات المعلنة، التي تتوخّى الشعبية، والمزايدة، في إطار المنافسات الفصائلية السائدة.
لذا فمصلحة “حماس” هنا، في هذه الظروف، تتمثل في تأكيد ذاتها كجهة، أو كسلطة، قابلة للتكيّف مع المتطلبات الدولية والإقليمية، وكجهة مسؤولة ومرنة، ومهيئة، للتعاطي مع أي جديد، بخصوص مستقبل الوضع في غزة، في ظل هذه الأوضاع الفلسطينية والعربية والإقليمية المضطربة، لذا لا يمكن اعتبار هذا الكلام من باب التحايل، ايضاً. وفي هذا الصدد يبدو بديهيا أن يقرأ المحلل الإسرائيلي يوسي يهوشع ما قاله السنوار على النحو الآتي: “في هذه المقابلة النادرة…يطلق مواقف حمائمية استثنائية. أما عملياً فهو يتجاوز أبو مازن من اليسار. فالسنوار يقترح على إسرائيل الحديث معه مباشرة والاتفاق في المفاوضات على التسوية دون وساطة السلطة الفلسطينية”. (“يديعوت احرونوت”، 3/10)
وقصارى القول، فإن ما يحرك حماس، كما غيرها من الفصائل والقوى والأحزاب، هو البعد السياسي والمصلحي (بالمعنى الضيق)، وليس البعد الأيديولوجي والمبدئي والمكلف، سواء اكتسى هذا الموقف أو ذاك بالعقلانية، وتاليا بالاستجابة للمصالح الوطنية، وحركة التاريخ، أو من دون كل تلك الاعتبارات.



Create Account



Log In Your Account